يهاجرون ويبقى المخيم PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: د. حسن الباش

حسن الباش

لعل موضوع الهجرة الفلسطينية إلى أوروبا يبدأ من محنة مخيمات لبنان حيث جرت الحرب الأهلية عام 1976 ثم لحقتها حرب المخيمات في أوائل الثمانينات , وفجأة بدأت عائلات بأكملها تهاجر إلى ألمانيا والدول الاسكندنافية , السويد والدنمارك والنرويج وبعضهم إلى أستراليا وكندا .

ومنذ بداية الثمانينات شهدت مخيمات وخاصة النهر البارد والبداوي في شمال طرابلس وعين الحلوة والرشيدية في صيدا حركة غير طبيعية للهجرة على الرغم من التكاليف الباهظة التي ترهق المهاجرين إن كان ذلك عن طريق البحر أو البر أو الجو . وتناسى الناس هذا الموضوع وأصبح أمراً اعتيادياً بالنسبة لفلسطينيي لبنان .
جاءت الأزمة السورية وظلت المخيمات بمنأى عن المشكلة حتى حصلت نكبة اليرموك مع نهاية عام 2012 حيث غادر غالبية أهالي المخيم بيوتهم ومخيمهم . قسم غادر إلى لبنان وقسم إلى مصر وآخر إلى تركيا والقسم الأخير انتشر في ضواحي دمشق وأحيائها كالزاهرة وقدسيا وركن الدين وصحنايا ومساكن برزة وعذرا. بدأت المعلومات تأتي بأن عدداً من بحار الموت أخذوا يُخرجون الناس إلى بعض الدول الأوروبية بمبالغ طائلة وذلك عبر البحر المتوسط وفي قوارب قديمة وبعض السفن المهترئة والزوارق التي باتت تحمل أضعاف أضعاف ما يمكن أن تحمله من البشر , ونقلت المعلومات أن تكلفة المهاجر الواحد من مصر 5 آلاف دولار ومن لبنان 6 آلاف دولار ومن تركيا أكثر من ذلك .
يركب المهاجرون الزوارق بحيث يحمل الزورق أضعاف ما يتحمله مما عرّض المركب للغرق عدة مرات . وقد يغرق ويموت من فيه كما حدث مع عدة زوارق . ومن يبقى حياً تتناوله بعض السفن التابعة لخفر السواحل الايطالية أو القبرصية أو اليونانية ويؤخذ إلى السواحل ليوضع مع الكثيرين في معسكر ريثما تتم الموافقة على دخوله ومن ثم مغادرته إلى ألمانيا ثم السويد وما جاورها . هذا مع معاملة خشنة قاسية وخاصة من اليونانيين والقبارصة . وقد غرقت عدة زوارق محملة بالمهاجرين وكان أقساها أن زورقاً كان يحمل حوالي 400 شخص مات منهم حوالي 220 شخصاً ومن تبقى أنقذتهم الزوارق الإيطالية بعد أن رأوا الموت بأعينهم لاسيما أنهم غادروا في ظروف مناخية صعبة حيث علو الموج وهيجان البحر واشتداد الرياح في عرض البحر , وكان من نتيجة ذلك موت العشرات من الفلسطينيين ومنهم عائلات بأكملها ومنهم شبان دون آبائهم وأمهاتهم ومنهم زوجات وأطفال دون آبائهم , وقد تعرض الجميع للخوف والرعب المتواصلين خلال رحلة بحرية قد تستغرق عدة أيام بلياليها عدا عن البرد القارص والجوع ودوار البحر وعدا عن معرفة المصير الذي ينتظرهم , ثم إن السلطات الإيطالية أو غيرها كانت تعاملهم بخشونة في بعض المناطق .
وكرقم تقريبي وصل عدد المهاجرين الفلسطينيين من مخيمات سوريا إلى ما يقارب ال 140 ألفاً . ومن أغرب الأمور أن كثيراً من الآباء أرسلوا أبناءهم للهجرة وهم يدركون أن مصيراً مجهولاً ينتظرهم , فإما أن يغرقوا ويموتوا في البحر وإما أن يُعتقلوا أو يتشتتوا من جديد .
تكاثر المهاجرون في السويد وألمانيا أكثر من غيرها , وقيل إن مدينة أقيمت من بنايات تتسع للآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين , وقد حصل بعضهم على الإقامات المؤقتة ريثما يتم تجنيسهم وتأهيلهم لغوياً ونفسياً واجتماعياً وعلمياً على الطريقة السويدية .
* - ماذا وراء الهجرة والتهجير إلى اوربا وغيرها ؟
عندما نعود إلى الوراء قليلاً وتحديداً في السبعينات وما جرى في لبنان وفي مخيمات الفلسطينيين ندرك أن مخططاً صهيونياً غربياً عربياً قد جرى تنفيذه لتهجير أبناء فلسطين من الدول والأقطار المحيطة بفلسطين المحتلة إلى دول الغرب , والغاية من ذلك إفراغ هذه المناطق من أبناء فلسطين 1948 حيث لا يبقى أحد يطالب بالثورة المسلحة ضد الاحتلال ومن ثم يموت حق العودة الذي يطالب به هؤلاء الفلسطينيون وكان معروفاً منذ الستينات أن مخيمات سوريا هي أكثر المخيمات ثقافةً ووعياً والتصاقاً بالقضية الفلسطينية لذلك كان على الصهيونية والكيان الصهيوني أن يعملا جاهدين لتسهيل التهجير إلى دول الغرب وتفريغ المخيمات الفلسطينية من أهلها حتى تتخلص من هذا العبء أو هذا التحدي وهذا الهم الذي يؤرق الصهيونية وزعماء الكيان الصهيوني الغرب .
إن الكيان الصهيوني يدرك أن الفلسطيني الي يعيش في غزة اكتفى بهذا الوضع وخفّ لديه العمل من أجل فلسطين 1948 . ولعل الضغط العسكري المتواصل على غزة وتدمير أجزاء كبيرة منها كان يقصد من ورائه التقوقع على الذات وعدم المطالبة بحق العودة وكذلك ابن الضفة , ويبقى الفلسطيني اللاجئ ابن نكبة ال 1948 هو الذي يعيش مرارة اللجوء ويحمل همّ الثورة والمسؤولية تجاه أرضه ووطنه .
وحتى لو أقيمت دولة فلسطينية على حدود ما يعرف بأراضي 1967 فإن الفلسطيني ابن النكبة عام 1948 ليس له مكاناً فيها , وحلّه إما أن تعطيه الدول العربية جنسياتها أو أن يهاجر إلى دول الغرب ليستخدم كعامل ليس أكثر ولا أقل . وقد تم تنفيذ المخطط الثاني وهو التهجير إلى هذه البلاد , على أن يلحقه التجنيس بعد عدة سنوات ويلحق ذلك توطين من تبقى في الدول العربية وإلغاء قضية فلسطين إلغاءً كلياً من العقول والتاريخ والتاريخ والجغرافيا وغيرها والواقع أننا لا نرى أي احتجاج رسمي فلسطيني على مخطط الهجرة والتهجير وكأن قيادات الشعب الفلسطيني موافقة على هذه الهجرة . وهذا ما يجعل الكثيرين يشيعون مقولة التواطؤ القيادي الفلسطيني مع هذا المشروع . وكان من المفترض أن تنبه القيادات الفلسطينية لخطورة هذه المسألة باستمرار وتبين مخاطرها وعواقبها , وأن تدعوا الفلسطينيين إلى التنبه لها وعدم المغامرة بالسفر ومن ثم العودة إلى التركيز على عودة الناس لمخيماتهم .
* - المخاطر على المستوى الاجتماعي والأخلاقي :
من الواضح أن الهجرة والتهجير شتتا العائلات الفلسطينية ومزقت الأسر , فعلى سبيل المثال هاجر اثنان من عائلة واحدة إلى ألمانيا وهاجر شقيق لهما إلى الجزائر ومن ثم لحق بهما إلى ألمانيا , والشقيق الخامس في السويد والسادس في تركيا , وتنقل الأب والأم من لبنان إلى مصر ثم عادا إلى مصر وغامرا على الرغم من العمر المتقدم لكليهما وذهبا عند أحد الأولاد وهو في تركيا , والجميع يشكون من هذا التشتت وهذا التفرق الإجباري . وقس على ذلك آلاف الأسر التي وقعت في الورطة نفسها وعلى المستوى الأخطر فقد تفاقمت مشكلة جديدة لدى المهاجرين وهي أن كثيراً من النساء طلقن أزواجهن بسبب حماية القانون السويدي لحرية المرأة مما أدى إلى تفكك الأسر وتدميرها . ومن النساء من تزوجن من أشخاص آخرين بسبب علاقة قديمة قد تكون علاقة معرفة أو علاقة مراهقة أو خطبة فاشلة .
وعلى مستوى الشباب والفتيات فقد هيأت السلطات السويدية مسابح للفتيان والفتيات , وذكر بعض الشهود أن كافة الفتيان والفتيات ينزعون ثيابهم حتى الداخلية منها ويسيرون أمام بعضهم عراة حتى يتعودوا على هذا النمط من الحياة . وقد تبنّت بعض النساء السويديات فتياناً في سن المراهقة وبعضهن يجبرن الفتيان على ممارسة الجنس معهن وفيهن نساء في الأربعينات من العمر عدا عن شرب المسكرات أو المخدرات .
وهكذا هو النمط السويدي في الحياة الاجتماعية الأخلاقية , فالقانون يعطي الحرية للجميع في ممارسة كل أشكال الرغبات النفسية والجسدية ولا يستطيع أحد أن يخالف القانون .
إن كل ذلك يعني نزع الانتماء الوطني ونزع الانتماء الديني ورويداً رويداً يصبح الإنسان الفلسطيني إنساناً آخر لا يمت بصلة إلى وطنه ودينه , وبمعنى من المعاني فقد انتهى هذا الإنسان روحياً ونفسياً وعقلياً وشطب نهائياً من كونه مسلماً أو عربياً فلسطينياً .
أما الشعور السائد لدى المهاجرين الفلسطينيين فهو الندم الشديد على ما فعلوه , وفي كل يوم يتصل عدد منهم ويسألون عن الموعد الذي يتم فيه فتح المخيمات والعودة إليها وترك بلاد المهجر نهائياً بسبب ما يلاقونه من معاناة اجتماعية وأخلاقية في تلك البلاد .

 

 

 

البحث