نكبة المخيم .. الانعكاسات الثقافية و العلمية PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: د. حسن الباش

حسن الباش

لعله من قبيل التوثيق ورصد الواقع الثقافي والعلمي لمخيم اليرموك نرى أن المقارنة بين ما كان عليه هذا الواقع وما آلى إليه يرشدنا إلى معرفة المفارقات بين واقعين زمنيين .
 إن المسألة تتسع وأعتقد أنها بحاجة إلى دراسات موسعة وليس إلى مقالات لما لها من حيثيات ضخمة وتأثيرات كبرى , ومع ذلك فإننا سنحاول أن نلقي الضوء على بعض الأمور الهامة المتعلقة بأمر أولي وهو المقارنة بين نكبة 1948 ونكبة المخيم ثم بأمور أخرى تكشف عن قضايا في غاية الأهمية والخطورة .

اليرموك على سبيل المثال حوى حوالي 250 ألفاً من الفلسطينيين , ونسبة المتعلمين عالية جداً , وبسبب كون المخيم عاصمة المخيمات فقد حوى المئات من المثقفين على أعلى المستويات وفي الوقت نفسه خُلقت ثقافة قوية على الرغم من التنوع في الإتجاهات السياسية التي ساهمت في نشرها حركة الثقافة الثورية العامة , ولأن المخيم حوى فلسطينيين من عدة مناطق فلسطينية من فلسطين فقد خُلقت حالة ثقافية عامة , أو لنقل حالة ثقافية تشمل الفلسطيني بغض النظر عن بلده الأصلي , وبمعنى آخر خلقت ثقافة شعبية فلسطينية عامة ترتكز على أطر ومبادئ أساسية على الرغم من الإختلاف الفكري أحياناً .
لن نتحدث عن التفصيلات والإحصائيات لكننا نشير هنا إلى العدد الكبير من الباحثين والكتاب والصحفيين وأعضاء اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين واتحاد الكتاب العرب .
وقد بلغ بعضهم أعلى الدرجات وكتبوا في القضية الفلسطينية على شتّى مناحيها السياسية والتاريخية والإجتماعية وغيرها , إضافة للكثير من أساتذة الجامعات في القطر العربي السوري والأقطار العربية .
وقد تجلّت نكبة المخيم في مظاهر ثقافية وعلمية عدة منها :
1- تشريد الباحثين والكتاب إلى أماكن متفرقة , منهم من تشرد داخل المدينة ومنهم من غادر سوريا , وهذا ما أوقف إبداعاتهم , فالظروف القاسية التي يعيشونها والحالات النفسية التي وقعوا فيها منعتهم من الكتابة واستمرار البحث والإبداع .
2- توقف النشاطات الثقافية بالنسبة للكتاب والباحثين كالندوات والمقابلات والأمسيات الشعرية والمحاضرات الثقافية وكذلك المؤتمرات .
3- كان المخيم يحوي مراكز ثقافية عدة توقفت وتوقف معها النشاط الثقافي نهائياً وأصبح من المستحيل إقامة ندوات ومحاضرات اختصاصية باعتبار أن الأزمة السورية استحوذت على العقول والنفوس والنشاطات الخاصة .
4- غادر الأطباء والصيادلة مخيم اليرموك , ولم يتبق منهم سوى العاجزين عن الخروج وقد اضطر الكثيرون للعمل بعيداً عن الطب . وهذه مأساة أخرى بالنسبة لهم وقد تعرضت عيادات كثيرة في المخيم للسرقة بما فيها من أدوات غالية الثمن .
أما بالنسبة للطلبة وخاصة طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية فقد تقطعت بهم السبل وتشرد الأغلبية منهم مع أهلهم المشردين , والكثيرون لم يستطيعوا الدراسة في الضواحي كقدسيا أو جرمانا أو ركن الدين ودمر وصحنايا . وكثيرون لم يقدموا امتحانات الشهادتين والقليل من أسعفهم الحظ حين التحقوا بمدارس حكومية في هذه المناطق استأجرتها وكالة الغوث لفترة محددة . وقد عانى الطلاب الكثير أثناء التنقل وهم يقومون بامتحاناتهم خاصة عندما يغادر الطالب من منطقة لأخرى وما من طالب إلا ويرافقه بعض أفراد أهله للوصول إلى مكان الامتحان , وقد كان مستوى إجاباتهم ضعيفاً بسبب قلة الدراسة وعدم التركيز والانشغال بالتنقل من مكان الى آخر , وما ينطبق على طلاب الشهادتين ينطبق على طلبة الجامعات , وإذا ما قارنا ما حدث للجانب الثقافي والعلمي والمتعلمين في نكبة المخيمات ونكبة 1948 وجدنا الفارق شاسعاً . فهناك آلاف الطلاب الذين تأثروا سلبياً بنكبة المخيمات , ولا شك أن التقدم العلمي والثقافي الذي أشرنا إليه قد بلغ درجة عالية بين أبناء الشعب الفلسطيني في المخيمات ولا سيما مخيم اليرموك . ولا ننسى أن عدد الفلسطينيين الذين شردوا عام 1948 كانوا يقاربون المليون بينما الذين شردوا من مخيمات اللجوء في سوريا بلغ عددهم حوالي 400 ألف إنسان , ولا ننسى كم تضاعف عدد الفلسطينيين منذ عام 1948 حتى عام 2014 . لقد فقد أبناء فلسطين أعمالهم , والكثيرون منهم يعيشون على المعونات من الجمعيات الخيرية ومن معونات وكالة الغوث .
وعندما كانت الأوضاع مستقرة في المخيمات اهتم الآلاف من الشباب بقراءة الكتب والمجلات الثقافية والوطنية الفلسطينية . وقد افتقد الجميع لهذه الظاهرة وذلك لعدة أسباب منها التشتت الحاصل والتهجير وعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي والمالي . فالكثيرون افتقدوا للمال وبذلك ضعفت القدرة على شراء الكتب التي ارتفعت أسعارها من خمسة أضعاف إلى عشرة أضعاف . وافتُقدت المجلات الوطنية نهائياً ولم يبق سوى متابعة الأمور الثقافية عن طريق التلفاز إذا توفر . وحتى المحطات الفضائية انشغلت بالأمور السياسية والأحداث اليومية على حساب الجانب الثقافي والعلمي .
لقد انتشرت مقالات وبحوث ودراسات حول القضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني في العديد من المجلات والصحف العربية قبل نكبة المخيمات وساهم الكتاب والباحثون والصحفيون الفلسطينيون في ذلك مساهمة فعالة وملموسة . وعندما نطلع اليوم على معظم المجلات والصحف العربية نرى افتقاراً كبيراً في الموضوعات التي تخص القضية ونادراً ما نعثر على اسم باحث أو كاتب فلسطيني في تلك الصحف والمجلات .
وتلك أيضاً من آثار النكبة التي حصلت للمخيمات . ومع كل ذلك نقول إن عودة الحياة الثقافية والعلمية لأبناء فلسطين ما زالت حية وحياتها موجودة في الأمل الذي لا يفارق أبناء فلسطين أينما حلّوا وكيفما توجهوا .

 

البحث