حوار بيت فلسطين للشعر مع الشاعر والأديب عبد الحكيم الزبيدي PDF طباعة أرسل لصديقك

حظيت قضية فلسطين باهتمام كبير من قبل الأديب باكثير
د.الزبيدي : أكثر ما بهرني في أدب باكثير أنه يجمع في أعماله بين المتعة الفنية ونبل الغاية

الشاعر والأديب عبد الحكيم الزبيدي

يعد الشاعر والأديب عبد الحكيم الزبيدي من الأدباء القلائل الذين جمعوا بين العطاء الإبداعي الفردي والعمل المؤسسي ، فإبداعه الشعري الذي عرفه القراء في أكثر من مجموعة شعرية ، اقترن به تأسيسه للموقع الإلكتروني عن قامة أدبية شامخة هو الأديب الراحل علي أحمد باكثير ، وخلال سنوات من العطاء في الجهتين ، ترك أكثر من بصمة في سِفرِ الأدب والثقافة ، وهي فرصة لبيت فلسطين للشعر أن يقدم مثل هذه القامة من خلال احتفائه بشاعر الشهر علي أحمد باكثير .

دبي – بيت فلسطين للشعر :
حوار : سمير عطية :

نود أن تعرف القراء على طرف من سيرتك الإبداعية؟
شاعر وكاتب وباحث من دولة الإمارات العربية المتحدة. حاصل على دكتوراه في الإدارة الطبية من جامعة أبردين بالمملكة المتحدة وماجستير في الأدب العربي من جامعة الشارقة بالإمارات. لدي أربعة إصدارات حتى الآن هي: اعترافات متأخرة (مجموعة شعرية)، اليهود في مسرح علي أحمد باكثير (دراسة)، باكثير بمناسبة مرور قرن على مولده (مجموعة مقالات)، التناص في الشعر المعاصر في الإمارات (دراسة).
* كيف بدأت رحلتك مع الأدب والثقافة ؟
بدأت نظم الشعر في سن الثالثة عشرة تقريباً، ولكني لم أبدأ النشر إلا في المرحلة الجامعية.
* جمعت بين التخصصين العلمي والأدبي في دراساتك الأكاديمية، كيف استطعت الجمع بينهما؟
التخصص العلمي هو مجال عملي وهو مجال حبيب إلى نفسي، والمجال الأدبي هو مجال هوايتي وقراءاتي في أوقات فراغي وهو أيضاً حبيب إلى نفسي. وكثيراً ما يوجه إلي هذا السؤال في ختام الأمسيات الثقافية التي أتحدث فيها: ما العلاقة بين الطب والأدب؟ وكنت أجيب بأن الطب هو علاج الأبدان، والأدب هو علاج الأرواح، والإنسان مزيج من الروح والجسد، لذلك لا أجد تعارضاً بين التخصصين.
* متى بدأت مطالعاتك لأعمال الراحل باكثير ؟
بدأت علاقتي بأدب باكثير من خلال رواية (وا إسلاماه) التي كانت مقررة علينا في الصف الأول الثانوي –على ما أذكر- وقد شدتني الرواية بقوة إلى أدب باكثير، فأخذت أبحث عن أعماله الأخرى، وقد صادفت صعوبة في ذلك نظراً لعدم توفرها في المكتبات آنذاك.
* أين تأثر الدكتور الزبيدي بباكثير؟ وما هي أهم الأعمال التي حفرت في ذاكرته أن هذا أديب استثنائي؟
أكثر ما بهرني في أدب باكثير هو أنه يجمع في أعماله بين المتعة الفنية ونبل الغاية. فمعظم أعماله إن لم يكن كلها يجمع بين الفنية العالية وبين المغزى الهادف. وهي خاصية قلما نجدها في أعمال غيره من الكتاب. أما أهم أعماله التي تركت بصمتها في ذاكرتي فهي رواية (وا إسلاماه) لأنها أول وأجمل ما قرأت له.
* قمت بالانتقال من مرحلة الإعجاب الفردي بإبداعات باكثير، إلى تأسيس موقع إلكتروني خاص به..
حدثنا عن هذه التجربة.

بعد أن قرأت رواية (وا إسلاماه) أخذت أبحث عن أعمال باكثير الأخرى بالإضافة إلى تتبع ما يكتب عنه في الصحف والمجلات الثقافية آنذاك على قلته. وكان أن تجمعت لدي مادة غزيرة على امتداد حوالي عشرين عاماً. وقد عرفت الدكتور محمد أبوبكر حميد من خلال كتاباته عن باكثير في الصحف والمجلات ثم التقيت به لأول مرة في الرياض عام 1993م، وكان في ذلك التاريخ قد حصل على كل ما خلفه باكثير من تراث لدى عائلته المصرية. وقد زودني الدكتور حميد مشكوراً بكثير مما لديه من أعمال باكثير المنشورة في المجلات ومما كتب عنه من كتب ومقالات وبعض الصور والتسجيلات الصوتية النادرة. وحين عدت إلى الإمارات أحسست أن هذه الكنوز التي لدي يجب أن توضع بين أيدي الباحثين والدارسين حتى تتم الاستفادة منها. وظلت هذه الفكرة تراودني ولكني لا أعلم كيف السبيل إلى تحقيقها، حتى ظهر الإنترنت في منتصف التسعينيات تقريباً فأحسست أن هذا هو السبيل الأمثل لوضع هذه الكنوز بين يدي الباحثين في كل أنحاء العالم. ومن هنا بدأت فكرة إنشاء الموقع الذي يعد من أوائل المواقع الأدبية العربية على الإنترنت، ولعله أول موقع باللغة العربية عن أديب عربي بعد وفاته.
* سنوات من العطاء " الإلكتروني " ثقافيا في التعريف بالأديب الراحل ، ماذا أضاف هذا العطاء للمشهد الثقافي ؟
عندما أنشأت الموقع كنت أهدف إلى أمرين: الأول هو التعريف العام بباكثير وأعماله ومكانته الأدبية، والثاني: هو خدمة الباحثين الذين يعدون البحوث الأكاديمية عن باكثير. وقد تحقق الأمران بفضل الله تعالى، فقد أصبح الموقع المرجع الأول عن باكثير، حتى أن كتاب اللغة العربية للصف الحادي عشر (الثاني الثانوي) في الإمارات قد أورد نبذة عن باكثير وذكر المصدر وهو موقع باكثير. أما الأمر الثاني وهو خدمة الباحثين فقد تجلى في أن الموقع قد استطاع بفضل الله تعالى خلال عشرة أعوام من تأسيسه أن يقدم العون لعشرة من الباحثين الذين أعدوا رسائل ماجستير ودكتوراه عن باكثير (سبع رسائل ماجستير وثلاث دكتوراه)، أي بمعدل رسالة كل عام، وهذا في رأيي أعظم إنجاز حققه الموقع، وتوجد حالياً سبع رسائل ماجستير ودكتوراه تحت الإعداد يتواصل معدوها مع الموقع.
* منذ اللحظات الأولى، كنت صاحب تأسيس وتنفيذ هذا المشروع، سنوات لم تصبك باليأس والإحباط ...ما هو السر في ذلك ؟
حين كنت أعد لإطلاق الموقع، كان ابني محمداً في الصف الخامس الابتدائي تقريباً، وأذكر كلمة قالها لي حين رآني غارقاُ في العمل ليل نهار في جمع البيانات والتصميم الفني للموقع، قال لي ما معناه: يا أبي لو أن باكثير خلف ولداً من صلبه لما عمل له ما تعمله له أنت الآن. وأذكر أن هذه الكلمة جعلتني أبتسم في البداية، ولكني حين تأملت معناها أحسست أن الله تعالى ألهم هذا الطفل أن يقول هذه الكلمة التي أراها أكبر من عمره. فقد أخذت أسأل نفسي هذا السؤال: لماذا أقوم بكل هذا الجهد من أجل باكثير؟ وسرعان ما وجدت الإجابة: إن الله تعالى سخرني كما سخر الدكتور محمد أبوبكر حميد وسخر غيره ممن كتبوا عن باكثير وخدموا تراثه وهو يرقد في قبره بسلام. إن باكثير حين أبدع أعماله الأدبية الخالدة كان همه الله، كان همه أن ينصر الإسلام، وأن يكون داعية من خلال فنه، كما ذكر ذلك صراحة في كتابه (فن المسرحية)، فكان أن سخر الله له من يخدم تراثه وينشره بعد موته. إنني لا أجد إلا هذه الإجابة وأنا أتلقى رسائل عبر الموقع من طلبة وطالبات في ماليزيا وباكستان وإيران وألمانيا يكتبون رسائل وأطروحات عن باكثير. وإنني أسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم.
* ما هي أهم البصمات الثقافية لمسيرتك التعريفية بالأديب باكثير؟
إنني أعد موقع باكثير هو أكبر بصمة ثقافية لي في خدمة أدب باكثير، فقد لقي بفضل الله تعالى قبولاً وانتشاراً أسأل الله تعالى أن لا يحرمني أجره. بالإضافة إلى ذلك فقد أصدرت كتابين عن باكثير حتى الآن، ولي كتاب ثالث تحت الطبع بعنوان (النكوص الإبداعي في أدب باكثير) وهو في الأصل رسالة ماجستير، كما شاركت في عدة ملتقيات ومؤتمرات عن باكثير في الإمارات ومصر واليمن، وسأتوجه في نهاية شهر نوفمبر إن شاء الله إلى المغرب للمشاركة في مؤتمر عن السيرة النبوية، ولي مشاركة حول مسرحية (شادية الإسلام) لباكثير وهي مسرحية شعرية تحكي قصة السيرة النبوية المطهرة من خلال شخصية الشيماء أخت الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الرضاعة، وقد تحولت المسرحية إلى فيلم سينمائي بعد وفاة باكثير.
* قمت بتأليف كتاب عن اليهود في مسرح باكثير، كيف ولد هذا المشروع ؟
حظيت قضية فلسطين باهتمام كبير من قبل الأديب باكثير، فقد كتب عنها عدة قصائد وعدة مسرحيات قصيرة، ومسرحية طويلة (شيلوك الجديد) قبل قيام ما يعرف بدولة إسرائيل عام 1948م. وقد تتبعت في هذا الكتاب أعمال باكثير المسرحية عن اليهود وقضية فلسطين، قبل وبعد النكبة، وناقشت ما كتب عنها من دراسات سابقة.
* أصدر الباحث د. محمد أبوبكر حميد مؤلفات عديدة عن الأديب باكثير ...هل تجد أن الاكتفاء بالنشر الورقي كاف للتعريف به؟
الدكتور محمد أبوبكر حميد هو الأمين على تراث باكثير، وقد قدم خدمات جلى لتراثه، تمثلت في نشر أعمال باكثير المخطوطة وكتابة العديد من المقالات عنه في الصحف والمجلات، ونشر العديد من الكتب الوثائقية عنه. وهو الآن يعد لإصدار الأعمال الشعرية الكاملة لباكثير. وأنا أرى أن النشر الورقي مهم جداً لتوثيق الأعمال الأدبية وخدمة الباحثين، أما هل هو كافٍ أم لا، فلاشك أن النشر وسيلة من الوسائل، ولكن توجد وسائل أخرى ينبغي الاهتمام بها أيضاً، وأهمها في رأيي هو تمثيل أعمال باكثير لتقديمه للجمهور. فقد كتب باكثير مسرحياته لتمثل لا لتقرأ. وقد كنت أتمنى أن تمثل (ملحمة عمر) التي تحكي قصة خلافة الفاروق رضي الله عنه في مسلسل تلفزيوني، وقد قابلت مدير تلفزيون قطر وأهديته نسخة من (ملحمة عمر) حين علمت بنية تلفزيون قطر إعداد مسلسل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكنه ذكر لي أنه قد تم الاتفاق مع كاتب السيناريو.
* ما هي أهم الجهود الفردية والمؤسسية التي تعرف بالأديب باكثير من وجهة نظرك؟
لا شك أن أهم الجهود الفردية هي جهود الدكتور محمد أبوبكر حميد، فهو الأمين على تراث باكثير، ولا يذكر باكثير إلا ويذكر الدكتور حميد، ولا يذكر الدكتور حميد إلا ويذكر باكثير، أسأل الله تعالى أن يوفقه ويعينه. أما الجهود المؤسسية فلا أعلم أنه توجد مؤسسة تتبنى هذا الأمر. على أن وزارة الثقافة في مصر قد رعت مؤتمر مئوية باكثير في القاهرة، الذي نظمته رابطة الأدب الإسلامي واتحاد الكتاب العرب، وكذلك رعت وزارة الثقافة في اليمن مؤتمر مئوية باكثير الذي نظمته جامعة عدن في سيئون، وبدأت وزارة الثقافة في مصر واليمن في إصدار سلسلة الأعمال الكاملة لباكثير، صدر منها –حسب علمي- الأعمال الروائية في مجلدين، ثم توقفت بسبب الأحداث السياسية في مصر واليمن.
* هل تفوق الجهد الثقافي الفردي والخاص على نظيره الحكومي في التعريف برموزنا الأدبية؟
نعم مع الأسف، ذلك أنه حتى الجهود الحكومية إنما جاءت ثمرة ونتيجة لجهود فردية.
* كيف يمكن لهذه الجهود أن تتكامل؟ وهل هناك مشاريع قادمة للتعريف بالأديب باكثير؟
يمكن ذلك من خلال التعاون بين المهتمين بالشأن الثقافي. أما المشاريع القادمة للتعريف بباكثير فيما يخص الموقع فإنني أحدثه باستمرار بإضافة النصوص الكاملة لما كتب عن باكثير. وأنا الآن أضيف النصوص الكاملة لأعمال مؤتمر مئوية باكثير في القاهرة، وقد أضفت نصوص أبحاث مؤتمر مئوية باكثير في سيئون. كذلك فقد أعددت كتيباً في حوالي خمسين صفحة للتعريف بالموقع وإنجازاته خلال الأعوام العشرة التي مضت على تأسيسه ولكن لم يقدر له الطباعة حتى الآن.
* كيف تقرأ اختيار باكثير شاعرا لشهر نوفمبر ضمن احتفاء بيت فلسطين للشعر بالرموز الشعرية في فلسطين والوطن العربي ؟
لاشك أنها لفتة كريمة تستحق الشكر والثناء، لهذا الأديب الذي كانت قضية فلسطين محور اهتمامه طيلة حياته. وكما ذكرت مسبقاً فإن اهتمام باكثير بفلسطين سابق لعام النكبة، وقد كتب عنها العديد من القصائد والمسرحيات، وظل يقول حتى وفاته: لم يُكتب عن قضية فلسطين حتى الآن عمل أدبي يتناسب مع أهميتها. وكان آخر عمل مسرحي ينشره في حياته هو مسرحية عن فلسطين بعنوان (التوراة الضائعة) وتوفي رحمه الله قبل صدورها بشهر. واهتمام بيت فلسطين للشعر بالرموز الشعرية العربية أمر يستحق الثناء لأن الجيل المعاصر بحاجة إلى معرفة هذه القامات الشعرية العظيمة.
* هل من إضافة لديك أو كلمة في ختام هذا اللقاء ؟
أشكر بيت فلسطين للشعر على إتاحة هذه الفرصة لي، كما أشكرهم على جهودهم الخيرة في خدمة القضية الفلسطينية من خلال هذا الموقع الرائد، وأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودهم وأن يجعلها في ميزان حسناتهم، وأن يوفقهم لكل خير.

 

البحث