علي أحمد باكثير …صفاء النسب وصدق الدعوة PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: د. محمد توكلنا

الشاعر علي أحمد باكثير

قبيلة كِنْدة من قبائل العرب العريقة ، فكندة تُدعى ( قريش العرب ) وإليها ينتسب ( امرؤ القيس ) أعظم شعراء الجاهلية ، وكذلك فإن قاضي القضاة ( ابن خلدون ) عالم الاجتماع الشهير كِندي حَضْرَمي , وهذه القبيلة لم تزل تنجب النجوم الأفذاذ منذ دهر بعيد , وممن أنبتته في العصر الحديث الشاعر العظيم علي أحمد باكثير ، ولقد فاخر باكثير بهذا النسب منذ نشأته الشعرية , فنحن نجد في ( ديوان الصبا ) وهو باكورة شعره في حضرموت العديد من القصائد التي تشير إلى هذه الحقيقة ، ففي قصيدة ( لمنهاج امرئ القيس ) يقول باكثير مفتخرًا ( الطويل ) :

ومَنْ يكُ مِن آلِ امرئِ القيسِ فليكنْ****لهُ المَجدُ مِن تِيجانِ آبائِهِ تاجا
ويَقفوهُ في المَسعى لمجدٍ مؤَثَّلٍ ****وأكرِمْ بمِنهاجِ امرئِ القيسِ مِنْهاجا
ولكننا نرى أن الشاعر لا ينظر إلى هذا النسب على أنه غُنْم من دون غُرْم , وإنما يرى أن عليه أن يدأب في سعيه حتى يموت أو يصبح علماً من كبار الأعلام ليتابع المسيرة التي عليها آباؤه وأجداده :
سأسعى فإمّا أنْ أُوَسَّدَ أو أُرى ****سِراجًا منيرًا في المكارمِ وهَّاجا
-    فخر بالعروبة وأعلامها
ولم يكن الشاعر يفخر بتاريخ أسرته فحسب بل يفخر بفحول الشعراء الذين أنجبتهم العروبة , فهو يقول على لسان المتنبي ( الطويل ) :
من الملأِ العُلْوِيّ مِن عالَمِ الخُلْدِِ****أَهُلُّ عليكمْ بالتّحياتِ والحَمْدِ
تَقَحَّمْتُ حُجْبَ الغيْبِ حتى أَتَيْتُكُمْ****لأَجزِيَكُمْ عنْ بعضِ إحسانِكُمْ عِنْدي
قطعتُ حُدودَ (الأينِ) في متطاوِلٍ****مِنَ اللَّوحِ يفنى البُعدُ فيهِ مِنَ البُعدِ
ويتجلى الفخر في ثنائه على نفسه وهو يصف رحلته , فهو يرى أنه هو مركز الكون وكلّ ما فيه يدور حوله :
كأنَّ الفضاءَ اللانِهائِيَّ سائرٌ****على كُرةٍ لا حدَّ فيها سوى حَدّي
ثم يتجاوز في رحلته النجوم وهي تحاول أن تستميله وتخاطبه بلسان نورها راجية أن يقول فيها بعض شعره ويتودد إليها , ولكنه يعرض عنها فهي أدنى من غايته :
إلى أنْ تجاوزتُ النجومَ جواذباً****إليهنَّ عِطفي غيرَ أنْ لَسْنَ مِن قَصدي
يناشِدُني - والنُّورُ ثَمَّ – لِسانُها****لأنْشِدَها شِعري وأُصْفِيَها ودِّي
لكن الذي يلفته عن الميل إلى هذه النجوم إنما هو حبه لمصر ودمشق وبغداد حيث قضى زهرة شبابه وعنفوان بطولته وأنشد فيها القصائد التي لم تزل الأجيال تتغنى بها في كل مكان :
ولو لم تكنْ (مِصرٌ) و(جِلّقٌ) الهوى****و(بغدادُ) لم أبخَلْ عليها بما عندي
معانٍ قضى فيها الشّبابُ مآربي****وسَلّتْ بها كُبرى العزائِمِ إفْرَنْدي
وأمليتُ فيها الدَّهرَ غُرَّ قصائدي****فغَنّى بها الأجيالَ في السَّهلِ والنَّجدِ
-    العربية سيدة اللغات
ثم يُظهر باكثير - على لسان المتنبي - عشقه للغة الضاد واعتداده بها , فهي اللغة التي لا يمكن أن تشيخ وتهرم , لأن الله تعالى حفظها من خلال قرآنه الكريم , وهي تبدأ من حيث انتهى غيرها من اللغات , وهي لم تزل حتى الآن في مقتبل عمرها , رخصة لطيفة تفيض بالحب , والذي تخفيه من حبها هو أضعاف ما تبديه :
هي الضّادُ لن يَذوي على الدّهرِ عُودُها****وقد خَصّها (الذِّكْرُ) المُقدَّسُ بِالخُلْدِ
ستبدأُ مِن حيثُ انْتهتْ سائرُ اللُّغى****خُطاها إلى حَدٍّ يَجِلُّ عنِ الحَدِّ
ولا تَعتِبوها فهْيَ بَعدُ صغيرةٌ****ولم يَتَنَفَّسْ صَدْرُها بَعْدُ عَن نَهْدِِ
على أنّها بالرّغْمِ مِن صِغْرِ سِنِّها****لَناعِسَةُ الجَفْنَينِ مَيّاسةُ القَدِِّ
يكادُ يصيحُ الحبُّ بينَ شِفاهِها :****"أنا الحُبُّ ما أُخفيهِ فوقَ الذي أُبدي"
-    نتاج حضارتين
ويخاطب أهل مصر بلسان الشاعر العبقري , ليكشف أن الحضارة العربية الحالية قد تلاقحت مع حضارة الفراعنة في مصر :
أبى اللهُ إلاّ أنَ مَجْدِيَ مَجْدُكمْ****وإنْ رَغِمَ الشّاني ومجدَكُمُ مَجدي
أبوكمْ أبي يومَ التّفاخُرِ (يَعْرُبٌ)****وجَدُّكمُ (فرعونُ) أضحى بكم جَدّي
تألّهَ و(التاريخُ) طفلٌ وملْكُهُ****تبسُّمُ ذاكَ الطفلِ نُوغيَ في المَهدِ
ونرى هنا أن باكثير يتناصّ مع الشاعر علي الجارم , فالجارم أيضا يرى أن الحضارة العربية في مصر قد تلاقحت مع الفرعونية , فسبب بطولة الفارس العربي هو امتزاج نسبه بين عمرو بن العاص والفرعون (مينا) (البسيط) :   
نفسي فِدَى الفارِسِ المصرِيّ إن خطَرَتْ****به المواكِبُ أو خَاضَ الميادينَا
ما بَيْنِ (عمرٍو) و(مينا) زانَهُ نَسَبٌ****فمَن كآبائِهِ عُرْباً فَراعِينَا
ثم يهيب باكثير بفتيان العرب  اليوم أن يهبّوا إلى حياة الجِدّ ليقفوا في وجه أعدائهم الألداء , فعيب على العرب أن يستكينوا ويركنوا إلى حياة الهزل بينما أعداؤهم ماضون في جدّهم , ولا يليق أن يكون الأعداء أنداداً لفتيان العرب فكيف يليق أن يتعالوا عليهم ويرفعوا في وجههم السدود ليمنعوكم من بلوغ السيادة والريادة ؟ :   
كَذا فَلتَكُنْ فِتْيانُ يَعْرُبَ إنْ تُرِدْ****حياةً لها ما بينَ أعدائِها اللُّدّ
حرامٌ عليكم أنْ يَقوموا وتَقْعُدوا****وأنْ تَهزِلوا والقومُ ماضُونَ في الجِدّ
كثيرٌ عليهم بعدُ أن تَقِفُوهُمُ****بَني اللُّؤْمِ مِنكم مَوْقِفَ النِّدِّ للنِّدِّ
فكيف بأن يَعلوا عليكم ويَضرِبوا****على العُربِ دونَ العزّ سداً على سدّ
-    سيرة حياة وثقافة
ولد علي أحمد باكثير في الحادي والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر عام ألف وتسعمائة وعشرة بإندونيسيا ، وتربى في كنف والديه وتعلم القرآن الكريم والعربية ، فقد كانت سورابايا مركزًا من أهم مراكز تجمع العرب الحضارم في الجزر الإندونيسية وكانت لهم فيها مدارسهم ومعاهدهم وصحفهم ومجلاتهم ، وكان من الممكن للفتى علي أحمد باكثير أن يتقن العربية ويتعلم علوم الدين هناك بيسر ولكن كان للحضارم هناك سنة طيبة اتبعها آباؤهم في مهاجرهم البعيدة في إرسال أولادهم إلى مواطنهم الأصلية لإتقان اللغة من منبعها وتعلم قراءة القرآن الكريم بلا لكنة أو عجمة من جهة ولكي يتربى الولد في وطنه على عاداته وتقاليده ويتدرب على الاعتماد على النفس بعيدًا عن والديه حتى يقوى عوده ويشتد ساعده من جهة أخرى , ولذلك أرسله والده إلى حضرموت وهو في سن الثامنة .
وفي حضرموت درس أمهات الكتب في فقه المذهب الشافعي وهو مذهب الحضارمة , كما درس أمهات الكتب في الحديث الشريف وفي اللغة العربية والأدب وحفظ منظومات المتون في هذه العلوم وتمكن فيها إلى حد أنه حينما أرداد أن يدرس في الجامعة عرف أن فرع اللغة العربية لن يقدم له شيئاً جديداً فوق علومه , لذلك فضّل أن يدرس في فرع اللغة الإنكليزية .
-    باكثير الداعية
وحين تمكن باكثير من علوم اللغة والدين وجد أن عليه واجب دعوة قومه لينهض بهم ويرفع شأنهم , فبدأ يبحث عن أسباب تخلفهم فيفنّدها ويدعو إلى إصلاح الخلل (الرمل) :
يا بَني الأحقافِ ثوبوا للهُدَى ****واتْبَعوا الذِّكرَ ولُوذوا بالسُّنَنْ
وانشُروا العِرْفانَ في قُطْرِكُمُ ****واستغلُّوهُ وأحيوا كلَّ فَنّ
وتناسَوا ما مضى وامْتَزِجوا ****وادْحَضُوا الأحقادَ عنكمْ والإحَنْ
بينكمْ جِنسٌ ودِينٌ جامعٌ ****ولسانٌ وعُهودٌ ووَطنْ
وانتقل إلى مرحلة جديدة في الدعوة تحمل همَّ الإسلام والمسلمين في كل مكان وليس في حضرموت فقط فارتحل إلى الحجاز ليلتقي هناك بإخوانه الدعاة المصلحين من أقطار شتى وينظم في هذه الأجواء الربانية مطولته الشعرية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على نظام البردة , ثم تطرق إلى واقع المسلمين اليوم قائلاً (البسيط) :
لقد غدتْ أمةُ الإسلامِ واهنةً ****مِنها القلوبُ فأضحتْ (قصعةَ الأممِ)
لم يَبقَ فيها من الإسلامِ – وا أسفا – ****إلاّ اسمُهُ وبها معناهُ لم يُسَمِ
ولا تقومُ إلى القرآنِ تقرؤهُ ****إلا أمانيَّ بالألحانِ والرُّنُمِ
تَبدّلوا منهُ كتْباً لا حياةَ بها**** ****كأنّما عَكفوا منها على صنمِ
عدّوا المشائخَ أرباباً وبعدَهُمُ ****أقوالهُمْ كنصوصِ الواحدِ الحَكَمِ
وآخرونَ أصاروا الغربَ قبلتَهمْ ****فهم بها بينَ طَوّافٍ ومُستَلِمِ
يا ربّ رحماكَ إن الغربَ منتبهٌ ****والشرقَ مشتغلٌ بالنومِ والسَأَمِ
والعُربُ في غفلةٍ عمّا يهدِّدُها ****لم تَعْتَبِرْ بليالي بؤسِها الدُّهُمِ

-    باكثير وفلسطين
لقد آلم باكثير ما آلت إليه حال فلسطين وشعبها فتمنى أن يكون مع الثوار فيها ويستشهد هناك فتنعاه لأهله الرماح بدلاً من القصائد (الطويل) :
وَدِدْتُ لَوَ انّي في فِلَسطينَ ثائرٌ****لأهليَ تَنْعاني الظُّبى لا القصائدُ
ويعجب شاعرنا كيف يصبر العرب على مصابهم بفلسطين , وكيف يستمتعون بالأكل والشرب والنوم مع أن حالاً كهذه يجب أن تدفعهم للإقبال على الشهادة , وكيف يهدأ لهم بال وهم يرون شعباً بأكمله ينكب في فلسطين ؟ بل كيف يرضون بأن يعطى بيت المقدس الذي أسري إليه برسولهم عليه الصلاة والسلام إلى أذَلِّ أهل الأرض ؟ (الطويل) :
ألا ليتَ شِعري كيف تَصبِرُ يعرُبُ****على حالةٍ فيها المَنِيّةُ تَعْذُبُ؟
وكيف (بلادُ الضّادِ) تغفو جفونُها****وجفنُ فلسطينٍ دمٌ يَتصببُ؟
وكيف يُسيغ العُربُ بَردَ شرابِهمْ****ومليونُ نفسٍ منهمُ ثَمَّ تُنكبُ؟
أيَرضى بنو الإسلامِ مَسرى رسولِهمْ****لأهونِ مَن فوقَِ البسيطةِ يُوهَبُ؟
ويلحظ الشاعر فظاعة المؤامرة على فلسطين وشعبها , فالمعركة ليست مع المحتلين اليهود بل إنها معركة معهم ومع بريطانية التي تدعمهم وتساندهم , فهم يعيثون فساداً تحت حمايتها , ولو كانوا يقاتلون وحدهم لهُزموا وسُحقوا :
فويحَ فلسطينٍ تواثِبُ قَسوَراً****يُقِلُّ على أكتافِه شرَّ تِنِّينِ
فينفثُ هذا السمَّ وهو بمأمنٍ****ويُنشبُ هذا مثلَ حدِّ السكاكينِ
ولو زحف التنِّينُ في الأرض وحدَه****لقُطِّعَ أوصالاً وديسَ على الطينِ
وينظر باكثير إلى المستقبل فيرى أن هذه الدولة التي تدعم اليهود إنما تدعمهم إلى حين لأمرٍ ما ثم إنها سوف تتخلى عنهم بعد ذلك :
فلا يغتررْ (بالليثِ) فهو يحوطُه****لأمرٍ ولا يبقيهِ إلا إلى حينِ
ثم يتعجب مما سماه قصر النظر لدى بريطانية التي بدا له أنها تتعثر في أخطائها فهي تفعل ما تفعله في مصر وفي المغرب , وتبني الحصون واهيةً للصهاينة دون أن تلقي بالاً للشعب المسلم الذي هتافه (الله أكبر) . ولكن هذه الدولة سوف ترى أن هذا الشعب الذي تستهين به أخطر مما تتوقع وسوف يكبر هذا الشبل لكي يدفع عنه القط الصهيوني المستأسد :
وقد حدَّثونا أنَّ (للَّيثِ) حكمةً****وأنَّ له طرفاً إلى الغيبِ ينظرُ
فهل شاخ عقلُ الليثِ أم كَلَّ طَرْفُهُ****فأصبح في أخطائِهِ يتعثَّرُ؟
أيعزبُ عنه عالمٌ متحفزٌ********يردد في أنحائه: الله أكبرُ
يزمجر في "مصرٍ" ويكظِمُ غيظَهُ****"بفاسٍ" وفي "الصحراءِ" ينهى ويأمرُ
ويذهب يبني (للعناكبِ) في الهوا****بيوتاً تقيه ما يخاف ويحذرُ
سيدري غداً أنّ الذي ظَنَّ باطلٌ****وأنّ الذي لم يُوْلِهِ الرأيَ أخطرُ
وأنْ ليس يغدو دهرَه "القطُ" ضيغماً****وفي "الشبلِ" ما في أصلِهِ حين يَكبرُ
فهل يَعقلُ "الليثُ الحكيمُ" صوابَهُ****وهل يستحي أو يرعوي أو يفكِّرُ؟
ثم يلتفت باكثير إلى أبناء جنسه العرب والمسلمين فيهيب بهم أن يَنْهَدُوا لإغاثة إخوانهم في فلسطين ويتعجب من شحّهم وتقصيرهم في التبرع لشعبها في حين يسخو أعداؤهم بالملايين لتحقيق مشروعهم :
بَني العُربِ والإسلامِ أين غياثُكم****لإخوانكم في الجنسِ والضادِ والدينِ؟
أيعطي الملايينَ الأقلُّ عدوُّكم****ولاتنفقوا – في كثرةٍ - نصفَ مليونِ
إن هذا الشح ليس من أخلاق المسلمين ولا من أخلاق الجاهليين فلا الإسلام يرضى بالبخل ولا الجاهلية ترضى بحياة الذّلّ , وإنه لعار أن يستطيع المسلمون نجدة فلسطين ثم لا يسخوا بأرواحهم من أجل إنقاذها فكيف إذا كان الجود بالمال الذي هو أدنى من الأرواح؟ :
فليس بإسلامٍ ولا جاهليةٍ****تخاذلكم والشحُّ في الله بالدُّونِ
وهل يعرف (الإسلامُ) شُحّاً وذلةً؟****وهل تعرف الأخرى الحياةَ على الهون؟
لعارٌ بكم أن تستطيعوا غياثَها****فلا تَهَبوا أرواحَكم لفلسطينِ
فما ظنكم بالمالِ لا تبذلونه****لغوثِ حماةِ المكرماتِ الميامينِ
إن جهادكم في سبيل إنقاذ فلسطين لهو برهان على صحة عقيدتكم وصدق إيمانكم , وإن في سقوط فلسطين ضياعكم جميعا , وإلاّ لما هتف بكم أهلها لإنقاذها :
فلسطينُ برهانٌ لكم في جهادِكم****أليس لديكم قيمةٌ للبراهينِ؟
ولو لم يكن في موتها موتُ أمركم ****لأَودَتْ ولم تفتح فماً بأغيثوني
ثم يلتفت باكثير بعد ذلك إلى الصهاينة الذين ينعتهم بأنهم قمل الشعوب بأنهم لن يملكوا شبراً واحداً بأرض محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا ليس في عقيدة المسلمين فحسب بل إن روح موسى وهرون عليهما السلام تنكر أن يملك هؤلاء شبراً في ارض المسلمين :
وقُلْ لبَني قملِ الشعوبِ: رُوَيْدَكُم****فأحلامكم بالمُلكِ أحلامُ مجنونِ
فلن تملكوا شبراً "بأرضِ محمدٍ"****وتُنكِرُ هذا روحُ موسى وهرونِ
ثم يبيّن أن محاربة (هتلر) لليهود وطردهم من أرضه كما تطرد الشياطين ليس إلاّ لأمرٍ هو خبثهم ونجاستهم , ثم يقول باكثير على لسان قومه بأنهم لن يهنأ لهم عيش في أرضهم إلاّ أن يطهروها من هذه النجاسات :
لأمرٍ قلاكم "هتلرٌ" عن بلادِه****وطاردكم منها طِرادَ الشياطينِ
حرامٌ علينا أن نعيشَ بأرضِنا****إذا لم تُطهَّرْ من نجاساتِ "صهيونِ"
ثم يلتفت إلى أهل فلسطين فيحثهم على الصبر والمجالدة ليُروا الناس أن العروبة ما زالت حيّةً كريمة , بل هي أكرم الأمم , وأن العرب لا يهابون الموت مهما حمي وطيسه , وأنهم أرادوا الحياة الحرة الكريمة فاستعذبوا الموت في سبيلها :
وأنتِ فلسطينُ اثبُتي وتَجَلّدي****فما الصبرُ إلا عندما الصَّدمةُ الأُولى
وأدري الورى أنّ "العروبةَ" لم تَمُتْ****وأنَّ لها في المَكْرُماتِ اليدَ الطُّولى
وأنَّا الأُلى لا نَرْهبُ الموتَ كالِحاً****ولا النّارَ شؤبوباً ولا السّيفَ مَسلولا
وأنَّا أردْنا أن نعيشَ ومن يُرِدْ****حياةً يجدْ طعمَ المنيَّةِ مَعْسولا
ويحذّر شاعرنا من الغفلة عن مكائد أعدائهم , فالعدوّ يقظ متنبّه راصدٌ لحركاتهم وسكناتهم يترقب غفلة منهم ليبطش بهم  , فعليهم أن يحاصروه حتى يهلك ظمأً وذلك أضعف الإيمان , فهذا العدو سيَهلك إن لم يجد داعماً مسانداً له , أمّا إن وجد من يؤيده منهم ويدعمه فالويل للعرب لأنه سيهلكهم (البسيط)  :
صَحواً بَني العُرْبِ مِن طُولِ الكَرى فلقد**** ****قامَ العَدُوُّ على أبوابِكُمْ رَصَدا
فابْقَوا على أضعفِ الإيمانِ أنْ تَقِفوا ****على الحِمى دُونَه حتى يموتَ صَدى
الموتُ مُودٍ بهِ إنْ لم يَجِدْ سَنداً ****منكمْ ومُودٍ بكم إنْ أحرَزَ السَّنَدا
ويحذرهم من مهادنة الأعداء أو مصالحتهم فالصلح سيؤدي إلى هلاك العرب وسيكفل البقاء لأعدائهم , وإذا ما فتحت للأعداء الأبواب في البلاد فسيتحكّمون برقاب العرب حتى يميتوهم ميتة ذلّ وهوان , أمّا هم فسينتعشون ويعيشون حياة سعادة ورخاء في بلاد العرب :
الصُّلْحُ للعُرْبِ لَحْدٌ يُقْبَرونَ بِهِ ****ولِلْعِدا هو مهدٌ يَكفُلُ الوَلَدا
إيّاكُمو أنْ تَزِلّوا زَلّةً عَمَماً ****فَتَفْتَحوا لهُمُ الأبوابَ والسُّددا
إذَنْ تَبِيدوا على أقدامِهِمْ ضَعَةً ****إذن يعيشوا على أشلائِنا رَغَدا
كما تناول باكثير قضية فلسطين في عدد من مسرحياته مثل (شيلوك الجديد) و(شعب الله المختار) و(امبراطورية في المزاد) وفي جميع هذه المسرحيات كان يبشر بزوال إسرائيل , وفي مسرحيته القصيرة (ليلة 15 مايو) يبقى باكثير متفائلاً بقدرة العرب على محو إسرائيل حتى في عيد ميلادها , وكذلك في مسرحية (حرب البسوس) تتحقق الوحدة العربية بعد أن يدرك العرب أن اليهود هم الذين يزرعون بينهم الفرقة والحروب .
-    ثقافة إسلامية
لقد بدا من خلال دراسة باكثير أنه يتمتع بثقافة إسلامية واسعة , وقد انعكس ذلك على شعره وأدبه بشكل واضح , فنرى فيه كثرة التعابير المقتبسة من القرآن الكريم والحديث الشريف , من ذلك البيت :
ويذهبُ يبني (للعناكبِ) في الهَوا****بيوتاً تقيهِ ما يخافُ ويحذَرُ
ومعنى البيت يتناص مع قول الله تعالى : " مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " العنكبوت (41)
وأما قوله :
لقد غدتْ أمّةُ الإسلامِ واهنةً ****مِنها القلوبُ فأضحتْ (قصعةَ الأممِ)
فهو مأخوذ من حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشكُ الأُممُ أنْ تَداعى عليكم كما تداعى الأكَلَةُ إلى قصعتِها ... " أخرجه أبو داود
وأما قوله :
وأنتِ فلسطينُ اثبُتي وتَجَلّدي****فما الصبرُ إلا عندما الصَّدمةُ الأُولى
فمن قوله عليه الصلاة والسلام :  
"إنما الصبرُ عندَ الصّدمةِ الأُولى" رواه الشيخان
وأمّا قوله :    
فلسطينُ برهانٌ لكم في جهادِكم
فهو من حديث " ...وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ... " رواه مسلم
-    على لسان الشهيد
ويهتف على لسان الشهيد في جمعٍ قاموا لتأبينه بينما هم الأموات الذين يحتاجون التأبين ((البسيط) :
فيمَ احتشادُكمُ هذا لتأبيني؟   ****أنتمْ أحقُّ بتأبينِِ الوَرى دُوني
والشهيد يزهو عليهم بأنه مات ميتة شرف لا ميتةً بسبب داء أصابه أو ميتة ذلٍّ , فهو الآن في الجنة بين الخمائل والرياحين حيث لا يصيبه خوف ولا حزن إلا حزنه على العرب الذين يرثي لحالهم , تلك الحال من الضعف والاستكانة التي جعلت وحوش الأمم تتناوشهم وتتكالب عليهم :  
فما الشهادةُ إلاّ مِيتةٌ كَرُمَتْ  ****عن مِيتةِ الدّاءِ أو عنْ مِيتةِ الهُونِ
إنّي نزلتُ بدارِ الخُلدِ في رَغَدٍ   ****بينَ الخمائلِ فيها والرَّياحينِ
في جنةٍ ما بِها خوفٌ ولاحزَنٌ **** ****لولا رثاءٌ لحالِ العُربِ يُشجِيني
قامتْ عليهِ شعوبُ الأرضِ قاطبةً   ****من ثُعلبانٍ ومِن دبٍ وتِنّينِ
ثم يهيب بهؤلاء العرب أن يسارعوا إلى انتزاع حقهم الذي مُنح للملاعين الصهاينة , ويطالبهم باللجوء إلى القوة في ساحات المعارك لا أن يطلبوه استجداء واحتكاما في المؤتمرات والمحافل :
فما انتظاُركُمُ والحَقُّ حقُّكُمُ؟   ****يُعْدى عليه لِيُعطى للمَلاعينِ
لا تَطلبوهُ احتِكاماً في مجامِعِهم    ****بل اسْتَرِدّوه قَسراً في المَيادينِ
ويشجعهم على التعاون على استرداد هذا الحق مع المسلمين في دول العالم الذين لن يتوانَوا عن نصرتهم وتأييدهم :
والمسلمونَ جميعاً من ورائكُمُ    ****بأنْدُنِسيا وباكستانَ والصّينِ
ثم يعود لمطالبة المؤبِّنين بأن لا يبكوه ولا يتفجّعوا عليه لأنه مات عزيزاً غير متهيّب من الموت , ولو أنه مات ميتة ذلّ فعندئذ يستحق أن يبكى عليه , وإذا أراد هؤلاء المؤبنون إكرامه فما عليهم إلاّ أن ينهجوا نهجه فينطلقوا إلى ساحات القتال لينالوا الشهادة من أجل عزّ الدنيا والآخرة , وليعيدوا ألْق النصر الذي حققه خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة اليرموك والنصر الذي أحرزه صلاح الدين رحمه الله في معركة حطين :  
لا تندُبوني فإنّي لم أَمُتْ جَزَعاً   ****فإنْ علمتُمْ عليَّ الذُّلَّ فابكوني
وإنْ تريدوا لأجلِ الدِّينِ تَكرِمَتي  ****فابْغُوا الشَّهادةَ للدُّنيا ولِلّدينِِ
فابنُ الوليدِ على اليرموكِ يَرْقُبُكُمْ  ****وليثُ أيّوبَ يَرعاكُمْ بِحِطّينِ
-    شهادات النقاد
-    الدكتور : نجيب الكيلاني
" وأرى أن باكثير مدرسة متميزة في معظم إنتاجه المسرحي تحمل الطابع الإسلامي ، وهي مدرسة لم تأخذ حقها بعد من التحليل والدراسة . " من كتاب :  حول المسرح الإسلامي - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثانية -1407 هـ 1987م
-    الدكتور : مصري عبد الحميد حنورة
" والواقع أن هذا الشاعر كما قدمنا ارتبط بالسلف الصالح من حيث المعاني والقوالب ، وقد جدد في المعاني كما جدد في القوالب التي صب فيها خبراته ، أما الأهداف فقد كانت دائماً جديدة ....
ومن هنا يمكن القول بأن علي أحمد باكثير ، وإن ارتبط بالسلفية في بعض معانيه وقوالبه ، إلا أن أهدافه كانت دائماً متجددة ومعاصرة .
...........
بإيجاز يمكن القول بأن مسألة السلفية والمعاصرة ليست مما كان يشغل باكثير ، لأنه تجاوزها بفهمه الواعي للعملية الإبداعية، فالإبداع تجديد ، وهو ارتكاز على محاور أرسى معالمها الأسلاف ومن ثم فقد كان الإبداع من منظور  باكثير هو الجمع بين السلفية والمعاصرة بحيث يصل في النهاية إلى شاطئ الأصالة ، أي " إلى شاطئ الإبداع "
" هل يمكن القول بعد ذلك بأن باكثير كان شاعراً مسرحياً ؟ نعم كان ، وهل كان شاعراً سلفياً ؟ أيضاً كان ، وهل كان شاعراً مجدداً ؟ بلا ريب كان ، وكاتب رواية ؟ نعم هو كذلك ، وهل اعتمد على التراث ؟ نعم وإلى حد بعيد . "
" هل يمكن بعد ذلك القول بأن ما أبدعه كان أصيلا ؟ أجل نقولها دون تردد ، وهو ما يدعونا إلى الإيجاز بالقول بأنه كان ، وسيظل إلى أن يشاء الله ، ظاهرة إبداعية متفردة ، فهل يا ترى يجد باكثير من يرى في استكناه أسرار هذه الظاهرة الإبداعية عملاً له قيمته ؟ لعل وعسى . "
من مقال: علي أحمد باكثير ظاهرة إبداعية - مجلة الشعر - العدد (42) - أبريل 1986م
-    الدكتور : محمد حسن عبد الله
" التجربة الأكثر رحابة ومرونة بالتأكيد تجربة باكثير ولذلك جاءت تقريباً متنوعة ومتباعدة في الغايات، وتستطيع أن تقرأ :  وا إسلاماه ، وتستطيع أن تقرأ :  الثائر الأحمر ، فعلى الرغم من انتصاره للفدائية الإسلامية وللإيمان القدري الإسلامي وأن الله غالب وأن جنده هم الغالبون ، على الرغم من أن هذه المقولات أساسية في فكر باكثير لكنه لم يسلك إليها طريقاً واحداً ، لذلك جاءت التجارب متباعدة جداً ، ويعرضها بطريقة راهنة وحينئذ فإنه أكثر تفاعلاً وأكثر حياة وأكثر تنويعاً ، وإذا حق لي أن امتدح كاتباً تحقق فيه شرط الفنان والمسلم معاً فهو باكثير وربما أحياناً باكثير وحده . "  حوار حول الإسلام والأدب - مجلة المجتمع - العدد (821) السنة الثامنة - 16/6/1987
-    الدكتور : عصام بهي
" ومع هذا التنوع الشديد في الموضوعات والمشكلات التي عالجها باكثير وفي أسلوب الكتابة ، وفي القوالب المسرحية التي كتب فيها – أو على الرغم من هذا التنوع - فقد كانت له رؤية خاصة يكشفها باكثير لقارئه منذ اللحظة الأولى دون مواربة ، فقد كان يصدّر كل عمل من أعماله – إلا في النادر - بآيات قرآنية يجعلها شعاراً للعمل ، تشير إلى القضية التي سيعالجها العمل من جهة ، وتوحي للمتلقي ، من جهة أخرى ، بهذا الالتزام الإسلامي في طرح قضاياه ومعالجتها . " مسرح باكثير الاجتماعي 1989
-    الدكتور : إبراهيم حماده
" غير أن أهم ما يميز كتابات المرحوم علي أحمد باكثير –  كما سبق أن أشرنا - هو صدقه مع ذاته ومع ثقافته. فقد كان مبدؤه – رحمه الله – واضح القسمات محدد الغاية ولا يعيبه أبداً التزامه بالدين أو القيم العربية التقليدية فإنه يفضل – في هذا المجال - الكاتب المتعدد الوجوه والأقنعة والذي يصدر عن كل مذهب أو يرتجل اللحظات ارتجالاً وليس له من ضمير لا ديني ولا إنساني . " من مقال : شهريار فوق سطح الصفيح الساخن. مجلة المسرح - العدد (70) - فبراير 1970
لقد أثرى باكثير - رحمه الله - المكتبة العربية بما لا يقل عن تسعين كتاباً بين الشعر والترجمة والمسرحية فلا شك أنه كان من أكثر الشعراء والأدباء عطاء في العصر الحديث .
-    المصادر والمراجع :
القرآن الكريم
صحيح البخاري
صحيح مسلم
سنن أبي داود
موقع علي أحمد باكثير http://www.bakatheer.com
 

البحث