قراءة في ديوان الأطفال للشاعر سليمان العيسى PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم: غسان كلاس

الشاعر سليمان العيسى

إن العناية بأدب الأطفال دليل حضاري، ولقد أصبحت النظرةُ إلى أدب الأطفال وكتبهم وقصصهم وثقافتهم والاهتمام بهذا الأدب يعد مؤشراً مهماً لتقدم الأمة ورقيها، وعاملاً جوهرياً في بناء مستقبلها فهو يشبع حب الاستطلاع لدى الطفل، ويشعره بالاطمئنان والأمل، ويثري لغته، وينمي قدرته التعبيرية، ويساعده على تحسين الأداء، ويزوده بالمعلومات، ويتيح له فرصة للتعاطف مع المشكلات ومواجهتها، ويوسع آفاقه.....

ودون الخوض في ملامح نشأة "أدب الطفل" عند العرب نقول: لقد حرص العرب القدامى منذ وقت مبكرعلى تربية النشئ، قال عمر بن الخطاب(رضي الله عنه): علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية، وما سار من المثل وحسن من الشعر، ونجد –في التراث الشعري العربي- فيضاً من المقاطع التي كانت تغنى للأطفال لأنهم فطنوا أن أذن الطفل ترتاح للأناشيد والأغنيات الخفيفة:

يا حبذا روحه وملمسه
ألمح شيء صلا وأكيسه
الله يرعاه لي ويحرسه

وقصيدة بشار بن برد معروفة مشهورة:

ربابة ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجاتٍ
وديك حسن الصوت

وفي النثر، فإن كتابي كليلة ودمنة/ عبد الله بن المقفع، وفاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء وإن لم يكونا موجهين للأطفال أصلاً، إلا أن بعض خصائصهما تتوافق مع قدرات الأطفال ولاسيما أنها توظف عالم الحيوان رمزاً يصور عالم الناس وأخلاقهم.
لابد من التنويه أن الترجمة كانت مصدراً مهماً لأدب الأطفال في الوطن العربي فقد ترجم رفاعة الطهطاوي: حكايات الأطفال، وترجم محمد عثمان جلال: العيون اليواقظ في المثال، والمواعظ(حكايات الثعلب والعنب):

حكاية عن ثعلب
قدمر تحت العنب
وشاهد العنقود
لون كلون الذهب
وغيره من جنبه
أسود مثل الرطب

ويأتي أحمد شوقي لينظم أكثر من خمسين قصة شعرية للأطفال:

هرتي جد أليفة
وهي للبيت حليفة
هي، مالم تتحرك
دمية البيت الظريفة
فإذا جاءت وراحت
زيد في البيت وصيفة

وكتب علي فكري: مسامرات البنات، النهج المبين في محفوظات البنين....... ومن ثم ترسخ أدب الأطفال على يد محمد الهراوي وكامل الكيلاني، حيث كتب الأول: سمير الأطفال للبنين، سمير الأطفال للبنات، أغاني الأطفال... أما الثاني، والذي يعتبر رائداً وعملاقاً، بحق، في الكتابة للأطفال ومما كتب: السندباد البحري.... ومن ثم جاء حامد القصيبي، رزق الله حسون، زكريا تامر، وسليمان العيسى، شفيق المهدي، عبد الرزاق الربيعي، راضي عبد الهادي، نبيل صوالحة، كمال رشيد، محمد الفايز، عبد الوهاب حقي، عبد القادر عقيل، علي الشرقاوي، عبد الحميد بن باديس، محمد العيد آل خليفة، جميلة زنير، جمال طاهري.....
وفي الأهداف: لابد من تلقين الطفل الاستغراب والحيرة ليولد التساؤلات ويشجع على الاحتذاء والاقتداء،عبر حكايات غنية بالجمال الفني والأسلوب الشائق يركز مفاهيم الصحة والنظافة، من خلال قصيدة ومفردات واضحة تعتمد عنصر التشويق والارتباط بالوطن وإبراز القيم الخلقية.
وفي إطار الشكل فغني عن القول: أن أدب الأطفال يكون قصة أو نشيداً أو مسرحية، ضمن سياق الأنواع الأدبية والفنية... أما في خصائص شعر الأطفال فهو مبني على بساطة الفكرة، المنبثقة من المعاني الحسية واللغة البسيطة وسواها...
يوصف الشاعر سليمان العيسى بأنه من آباء شعر الأطفال العربي في عصرنا:

نبذة عن حياة الشاعر سليمان العيسى:
ولد الشاعر سليمان العيسى سنة 1921 بالنعيرية بلواء الاسكندرونة في سوريا.
تلقى علومه الأولى في مدرسة العفان في إنطاكية، ثم في مدرسة التجهيز الأول في دمشق، ثم دار المعلمين في بغداد.
درّس الشاعر اللغة العربية وآدابها بمدرسة المأمون الثانوية بحلب الشهباء سنة 1947. ثم أصبح مستشاراً في وزارة التربية لتدريس اللغة العربية بدمشق ابتداءً من سنة 1967. وأصبح بعدها عضواً في اتحاد الكتاب العرب.
من دواوينه الكثيرة: "مع الفجر" الذي صدر في حلب سنة 1952، و"شاعر في النظارة" الصادر سنة 1954 في حلب أيضاً، و"أعاصير في السلاسل"، الذي طبع سنة 1954 في حلب.
أما مجموعة شعره الكاملة فصدرت منذ سنوات عن دار الشورى في بيروت في ثلاثة مجلدات تحت عنوان: شعر سليمان العيسى .
كما كتب قصة طفولته للأطفال مرتين:
-شعراً، تحت عنوان: أحكي لكم طفولتي يا صغار.
-ونثراً، تحت عنوان: وائل يبحث عن وطنه الكبير.
وعن قصة بداية كتابته للأطفال، يقول:
".... وأنا لن أقطع خيط الأمل، وعندما تمر كارثة من الكوارث مثل كارثة 1967، كنت أحس أن الدنيا (طربقت) فوق رأسي وبدأت أختنق.
ورأساً بدأت أدق الجدران السود حولي، وفتحت نافذة اسمها "الكتابة للأطفال". ماذا يعني الأطفال؟.. يعني المستقبل.
الحقيقة أنني لم أكتب للأطفال إلا من أجل أن أفتح للأطفال نوافذ أعبر بواسطتها عن الهم الذي حملته دائماً وعبّرت عنه، وقاتلت من أجله.
الكتابة للأطفال كانت بالنسبة لي الهروب إلى المستقبل، نوعاً من التشبث بالمستقبل، التشبث بالحلم نفسه الذي حملته.

قراءة في الديوان:
جاءت المضامين في الديوان على النحو التالي:
1-قصائد اجتماعية: تعالج مواضيع تخص العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقات الأسرية مثل علاقة الطفل بوالديه وباقي أفراد أسرته، وتصف الأفراد وأدوارهم داخل الأسرة ومكانتهم فيها: نشيد ماما، نشيد بابا، أمي، يا قلب أمي، الأسرة تعمل، عودة الأم، أخي....
2-قصائد تربوية: أخذت حظاً وافراً في الديوان، فيها عرض للصفات الحميدة والأخلاق والقيم النبيلة التي يطمح الأديب من خلالها إلى غرسها في نفس الطفل، فحين يتحلى بهذه الصفات، سيكون حتماً عضواً صالحاً في مجتمعه.
من هذه الصفات حب الآخرين واحترامهم وتقديرهم، والتعود على الأخلاق الحسنة البناءة، مثل: التحية وزيارة المريض وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، وعرض علاقة الطفل بأصدقائه ومحيطه المدرسي، وكيفية حفاظ الطفل على صحته وبيئته:
نشيد العمال، عمي منصور، غذاء طفل، ولد نظيف، للجميع الماء، دماء الطفل، في المستشفى، التعاون، أحلى لغة، إلى معلمتي، التلاميذ، في الباحة، صباح الخير، حلوة مدرستي، كي نجني الذهب، يا صغاري، اليقظة، سوف أبدو، وردة، العربي الصغير يقول...
3-قصائد تعليمية تثقيفية: تناولت مواضيع هذه القصائد ماهية الأشياء، والحقائق والمعارف التي من الواجب إطلاع الطفل عليها سواء أكانت موجودة في بيئته، أوهي حقائق يحتاج الطفل إلى اكتشافها، لأن من الأهداف التي يسعى إليها المربون في يومنا هذا ويعملون على تحقيقها هي تثقيف الطفل وتوسيع مداركه وإتاحة الفرصة أمامه ليتعرف على بيئته وعلى مجتمعه: شبابة سعد، حروفنا الجميلة، الرسام الصغير، وائل الصغير يتعلم، السد المائي، قارب الصيد، أغنية القطار، الفلاح، القارئ الصغير، الكاتب الصغير، الصغير يرسم، يا نجمتي الصغيرة، أغنية للون الأصفر، الحرف الأول، لجام الطاغية، الطفل الرسام، أكتب كلمة، النهر يقول، أبو فراس الحمداني، مكتبتي الصغيرة، مركبة القمر، أغنية الفصول الأربعة، الزجاجات الخضراء، قطاري، نشيد بردى، صباح الخير، وطن الأطفال، الماء.
4-قصائد تناولت علاقة الطفل بالحيوانات أو وصفها، والهدف منها إبراز هذه العلاقة، وحث الأطفال على الرأفة بالحيوان، لأنه صديق الإنسان، وفيه منافع كثيرة، كما أنه الرفيق الذي يستمتع الطفل برفقته، فعلاقة الطفل بالحيوان حقيقة يؤيدها السيكولوجيون في عدة حالات نفسية، وخاصة في أحلامهم، فالحيوانات تعتبر أصدقاء للأطفال، فالطفل يهفو إلى لمس الحيوان الذي يشاهده في منزله أو يراه يتحرك خلف زجاج النافذة: رفيقي الأرنب، ليلى والحمل، عصفور طلال، ذات الوشاح الأبيض، المهر الأصيل كوكب، منى والعصافير، رشا والبطة، بدور الصغيرة تحب الطيور.
5-قصائد جاءت على لسان الحيوان، الهدف منها التعريف بهذه الحيوانات: الناي، والقطيع، البقرة، النحلة الصديقة، الكناري الساحر يقول، الفأر فلفل، أنشودة البط، السنونو، المغرور يعترف، الغربان، الأرنب الحكيم.
6-قصائد وطنية، فأول ما يشدنا عند تصفحنا لديوان الشاعر سليمان العيسى تلك الروح القومية التي يتحلى بها، وانعكست بصورة جلية في جل قصائده –وإن لم تكن كلها وطنية-، فلا يكاد يخلو أي نشيد من هذه الروح، وهذا إن دلَ على شيء إنما يدل على هدف سام يسعى الشاعر جاهداً لتحقيقه، وبثه في نفوس براعمنا منذ نعومة أظفارهم، لأنه يرى فيهم الحياة والمستقبل والامتداد، فهو من خلال أشعاره –كما يرى- "يقدم أثمن هدية للأطفال لكي يحب الأطفال لغتهم، لكي يحبوا وطنهم"..
تناولت القصائد الوطنية حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه والتغني بجماله ووفرة خيراته: كيف وهي أرض الأجداد التي يحب الدفاع عنها وبذل أقصى جهد في سبيل تطويره ورخائه، سواء أكان هذا بالنسبة إلى الوطن الأم، أو الوطن العربي ككلّ: فلسطين داري، وائل الصغير يتكلم، نشيد ابنة الشهيد، طفل من فلسطين، أنشودة ابن الشهيد، أبطال تشرين، المشاعل، نشيد الطفل الجزائري، افتح يا وطني، نشيد السنابل، العربي الصغير يقول، الصغيرة ترسم، الشباب يشقون الطرقات، حفيدة الشموس، وطني.
7-قصائد جاءت بمثابة رسائل موجهة من الشاعر إلى بعض أصدقائه الصغار تعكس معرفة ومعايشة لهم، ومشاركة لهمومهم وأحلامهم، إذ لا يكفي أن يعرف أديب الأطفال جمهوراً جيداً، بل لابد أن يحترمهم، ويلقي في روعهم أنه صديق لهم، وألاَّ يغالي بأستاذيته عليهم، أو أن يقلل من شأنهم أو يستخف بهم وبقدراتهم وهذا ما استطاع سليمان العيسى تحقيقه في ديوانه هذا:
هنادي وناهد والبلبل، رشا والبطة، أنشودة غالية، أنشودة صبا، عاش كنان، أنشودة ريم، يا طفلة عمان، الشاعرة الصغيرة، نشيد رملة، إلى الصغير همسات، نشيد السنابل، ترنيمة كندة، الشاعر الطفل، همسة في دفتر، جارتي الصغيرة أمل، نشيد شغاف، نشيد سلمى يا صغاري، دالية، ترنيمة حسام، الصغيرة أشواق، نشيد البركان.
8-القصائد التي تتحدث عن الطبيعة: من الأمور التي تسترعي اهتمام الطفل وتجذبه الحديث عن جمال الطبيعة والتغني بها وذكر بعض ظواهرها، أنشودة الناضورة، أغنية الفصول الأربعة، ريح الشتاء، الربيع، الخريف، الصيف يتحدث إلى الأطفال، النهر يقول، إلى صديقتي الصغيرة تيم، الشجرة.
9-قصائد وردت على لسان الأطفال: وهي تتضمن تأثر الأطفال بمضامين الديوان وإحساسهم بأنه موجه إليهم معبرعن عالمهم: النحلة الصديقة، الكاتب الصغير، صفوان الصغير يتحدى، بيت على النهر، أرجوحة بدور، كي نجني الذهب، رباب، تيم على البحر، شهرزاد، ترنيمة كندة، ديمة تغني، نشيد أسامة، الفرسان الصغار والبحر، بيت على القمر، مهند يغني، العربي الصغير يقول، أسمي شعلة.
10-قصائد موجهة إلى الشاعر: وهي عبارة عن رسائل من الأطفال إلى صديقهم الشاعر، أو حوار للشاعر مع غيره من الأطفال أو الحيوانات: الشاعر والدوري، الأطفال يخاطبون شاعرهم، رسالة من عصافير، قطر الندى، الشاعر وعصافيره، منى الصغيرة تقول، فنان عظيم يتحدث إلى الأطفال.
11-قصائد غنائية: عاش الحب، الحقل الأخضر، اسمي شعلة، الشجرة، الطفل الرسام، أقلام التلاوين، الأرجوحة، الطيارة، أكتب كلمة، إلى أعلى إلى أعلى، بائعة المحار، مزحة البحر، أغنية للقمر، أغنية القطار، أطفال الأٍسبوع، يا نجمتي الصغيرة، الغناء، نجمة الصبح تشترك في الغناء، الخيل.
12-قصائد قصصية أو حكايات تغنى للأطفال لهدف تربوي: وتحمل هذه القصائد عبرة والحكمة التي تختزل معاني القصيدة وتلح على انتصار قيم النبل والخير: الغراب والثعلب، الثعلب والعنب، الراعي والذئب، الصياد والحجل، المدعي، الإوزة التي وضعت بيضات ذهبية، عندما واجه المسافران الدب، البوم والبلابل، زيتونة وبسبس، الفلاح والغراب، النحلة الصديقة، الثعلب واللقلق.
13-قصائد تناولت حب الأطفال للحركة واللهو واللعب: نبيل الصغير يحب اللعب، دميتي، لعبتي، أهوى الحركة، الكرة، الألعاب النارية، الرياضيون الصغار، نشيد الكرة، السباحان الصغيران.
14-قصائد تناولت الأماكن المحببة للأطفال: في مدينة الأطفال، في المزرعة، في المسبح في حديقة الحيوان.
15-قصائد خاصة في المناسبات: العيد، عيد الطفل، عيد الشجرة.
اللغة الشعرية في الديوان:
حين نقرأ هذا المقطع من نشيد (ماما):

ماما ماما
يا أنغاما
تملأ قلبي
بندى الحب
أنت نشيدي
عيدك عيدي
بسمة أمي
سر وجودي

نجد أن الشاعر عرف كيف ينقل هذه الأفكار والأحاسيس النبيلة عن أقرب الناس للطفل في سهولة وبساطة وبأدق العبارات فجاءت الألفاظ دقيقة، قوية الإيحاء، مشحونة بالأحاسيس والعواطف التي تجعلها مؤثرة في النفس، وذلك يجسد قول الشاعر، تطبيقياً، أنه يحرص أن يكون في النشيد الذي يكتبه للصغار اللفظة الرشيقة الموحية، الخفيفة الظل، البعيدة الهدف، التي تلقي ظلالاً وألواناً، وتترك أثراً عميقاً في النفس.
وفي نشيد (لعبتي) استطاع الشاعر أن يوظف بعض خصائص اللغة العربية كالتقديم والتأخير: قلبي يحبها، وفي موضع آخر صيغ التفضيل: أنقى من الصباح، أقوى من الرياح، إضافة لتنوع الجمل بين الفعلية التي تدل على الحركة والحدث، والاسمية التي تعنى بوصف بعض المظاهر والأشياء:

فلسطين داري
ودرب انتصاري
تظل بلادي
هوى في فؤادي
ولحناً أبياً
على شفتيا
وجوه غريبة
بأرضي السليبة
تبيع ثماري
وتحتل داري
وأعرف دربي
ويرجع شعبي
إلى بيت جدي
إلى دفء مهدي
فلسطين داري
ودرب انتصاري

وأحياناً يستخدم الشاعر التدرج في زيادة خبرات الطفل ومفردات جديدة شريطة أن تساعد العبارة أو التركيب على فهمها وإيضاحها، يقول في أنشودة: غرفة من زجاج:

أبي حداد
تقول سعاد
ولألأ حول منزلها
سنا غرفة
ووزعها شبابيكا
شعاع حبور

ونلحظ أحياناً التكرار والتوكيد على بعض الكلمات أو العبارات:

مطر مطر مطر
بالنعمة انهمر
بالعشب والثمر
تهللي يا أرضنا السمراء
واستقبلي هدية السماء
مطر مطر مطر

الصورة في الديوان:
إن الطبيعة بجانبيها: المتحرك والصامت هي المصدر الأول لصور الشاعر وتكون هذه الصور بصرية أو سمعية وأحياناً تحرك حاسة اللمس وحب الحركة عند الطفل، في قصيدته رفيقي الأرنب:

قفز الأرنب خاف الأرنب
كنت قريباً منه ألعب
أبيض أبيض مثل النور
يعدو في البستان يدور
يبحث عن ورقات خضر
يخطفها كالبرق ويجري
يا موجاً من فرو ناعم
فوق العشب الأخضر عائم
لا تهرب مني يا أرنب
أنت رفيقي هيا نلعب

وصفوة القول: إن اتجاه الشاعر سليمان العيسى إلى أدب الأطفال لم يكن وليد مصادفة، ولم يكن من قبيل الترف، بل كان إدراكاً منه بضرورة تحضير النشئ للنهوض بالأمة، وقد سخر شاعرنا طاقاته اللغوية وعصارة تجاربه لإنتاج شعر يلقى الرواج، ويحظى بالقبول، ويحقق التأثر لدى الأطفال، ويلاحظ أن الهم القومي العربي كان يدندن الشاعر في معظم قصائد الديوان فهو ينشد وطناً واحداً لا تفرقه الحدود بل يجمعه الانتماء والمصير المشترك.
في إجابته عن سؤال: لماذا تكتب للأطفال؟... قال الشاعر الكبير سليمان العيسى: ولمن تريدون أن أكتب؟.. وهل هناك موضوع أجمل، وأغنى وأهم؟.. وهل شبع أدباؤنا وشعراؤنا من الكتابة للصغار حتى أسكت وأطوي هذه الرغبة بين الضلوع؟...
أدبنا العربي، والكلام للشاعر العيسى، محروم من شعر الأطفال، وشعراؤنا ما زالوا يخجلون من وضع بسمة الملائكة على شفتي طفل، أعني من كتابة نشيد للصغار يخجلون أو يترفعون أو يتهيبون..... لا أدري... تظل النتيجة واحدة ويظل أطفالنا محرومين من بسمات الملائكة على شفاههم، أعني من الأناشيد الجميلة، من الشعر الحقيقي، ويظل أدبنا العربي ذو التاريخ العظيم محروماً من أحلى ينابيعه، أعني الأطفال،ورحم الله شوقي الذي أحس هذا فلبّي وفتح لنا الطريق، أياً كان الطريق. الأطفال هم فرح الحياة ومجدها الحقيقي لأنهم المستقبل، لأنهم الشباب الذي سيملأ الساحة غداً، لأنهم امتدادي وامتدادك، في هذه الأرض، لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية لتعود إليها دورتها الدموية التي تعطلت ألف عام وعروقها التي جفت ألف عام.
وفي رسالة موجهة لي، كتب الشاعر سليمان العيسى: لا أكتب للصغار لأسليهم، ربما كانت أية لعبة أو كرة صغيرة أجدى وأنفع في هذا المجال. وإنما أنقل إليهم تجربتي القومية، تجربتي الإنسانية، تجربتي الفنية، أنقل إليهم همومي وأحلامي.
لقد حرص شاعرنا سليمان العيسى، في شعره الموجه للأطفال والذي جمعه في "ديوان الأطفال" موضوع هذه الدراسة حرص أن تتوفر فيه اللفظة الرشيقة الموحية الخفيفة الظل البعيدة الهدف، التي تلقي وراءها ظلالاً وألواناً، وتترك أثراً عميق في النفس.
ولابد من الإشارة إلى الديوان، وعبر صفحاته الثمانمائة، تضمن أكثر من مائتي قصيدة، كما رأينا استطاع الشاعر المبدع، من خلالها، أن يختصر تجاربه الإنسانية والقومية والوطنية والاجتماعية والأٍسروية بأسلوب غاية في الإحكام والدقة والشفافية يلامس شغاف القلوب والمشاعر فقد قرب، كما رأينا، للأطفال الكثير من المفاهيم وعلمهم الكثير من الدروس، ليس في الإطار اللغوي والفني فحسب، وإنما في الإطار الحياتي إجمالاً. وولد في نفوسهم المعاني والقيم الإنسانية السامية وعرفهم بقضايا أمتهم وتاريخها العريق.
ويسجل لشاعرنا الكبير تذييله بعض قصائد الديوان بأسئلة يشحذ من خلالها: ذهن قارئها الطفل في الإجابة عنها، وأحياناً قدم لبعضها بكلمات مختصرة هادفة تؤدي الغرض وتبلغ المراد.

المصادر والمراجع:
-سليمان العيسى، ديوان الأطفال، دار الفكر، دمشق.
-إحسان عباس، فن الشعر، دار الشروق، الأردن.
-أحمد نجيب، القصة في أدب الأطفال، جمعية المكتبات الرئيسية، القاهرة.
-أحمد شوقي، الشوقيات، دار الكتاب العربي، بيروت.
-علي الحديدي في أدب الأطفال، مكتبة الأنجلو المصرية.
-عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، بيروت.
-غسان كلاس، جريدة تشرين 20/3/2000.
أدب الطفل العربي، رسالة جامعية مخطوطة

 

البحث