من صور الكبرياء في شعر وصفي قرنفلي PDF طباعة أرسل لصديقك

وصفي قرنفلي

22-11-2011
من مظاهر توجه الشاعر وصفي قرنفلي ( 1911-1972 ) في مرحلة الأربعينات ومطلع الخمسينات من القرن المنصرم إلى المدرسة الرومانسية وانشداده إليها و الانضواء التلقائي تحت مذهبها أو لوائها – هو شعوره العارم العفوي بفرديته الشخصية وتميزه الإبداعي ، وانكفاؤه الصارم على ذاته المعتدّة بنفسها ومعدن وجوده الأصيل ، وتضخم “ الأنا “ المفرط عنده

وإحساسه بأنه مركز الكون ونقطة الدائرة ومحور اهتمام الناس ؛ كل شيء يدور في فلكه ، وينضح من معينه ، وينطلق منه ، ويعود إليه ، فهو في اعتبار نفسه نسيج وحده وغرّة زمانه وخَلق من الحياة ، خاص ، متفرّد ، متوحد :‏

أنا الحرَّ لم تعرفْ بلادُك شاعراً‏
له كبريائي ، حرّةً ، وله قلبي‏
إذا سرتُ خط النورُ : أهلاً ومرحباً‏
وأومأتِ الأحرار نحويَ من شعبي‏
وإن قلتُ قال الكأس إيهٍ وبَرْعَمَتْ‏
وِرادُ الضحى ، تنهلُّ بالعطر الرطب‏

إنه يقرن الكبرياء الحرة بالقلب ، أي بالعاطفة أي بالوجدان ، إنها ليست كبرياء متحجرة فارغة وبالتالي غاشمة ظلوم ، بل هي مرتبطة بالشرط العاطفي ، أي بالشرط الإنساني بصيغة أخرى ، ولكي ينبت لنا الشاعر ، قيمته في مجتمعه ، متباهياً بذاتيته ، يشخّص النُور إنساناً يرحب به ، أي بالشاعر ، كلما خطا وسار ، ويهلّل لمرآه ، أما الوطنيون الأحرار من شعبه ، فيشيرون إليه كعلم مشهور ، وعلى صعيد الشعر والشاعرية ، فإن كل قصيدة ينظمها تسكر كما الخمرة ، وتفوح بالطيب كما العطر .‏
ولكن دعونا نتساءلْ : من أين جاءت وصفي مثل هذه الكبرياء التي تذكرنا بانتفاخ المتنبي الفائض عن حدّه واعتداده المتطرّف بشخصيته ؟.. إن القرنفلي كإنسان لا يحمل مقوماتها ولا مظاهرها ، إنه في أعماقه طيب نقيّ شفّاف الشعور ، مفطور على حب بسطاء الشعب ، لأنه منهم من جبلّتهم وبيئتهم فلمَ كل هذا التعالي والغرور ؟.. ليس غنياً فيدلُّ بماله على من دونه ، وليس قوياً – لا اجتماعياً ولا سلطوياً ولا جسدياً – حتى يزهو بقوته ، وليس مشهوراً شهرة أخذت ألباب القراء حتى يتفاخر بشهرته ؟.. لمَ إذن ؟.. ليس شيء من هذا فيه ، ولا من سواه ، أي من بقية دوافع الكبرياء ومسبباتها… فلمَ يتكبرّ ؟…‏
في اعتقادي أنّ سبباً رئيسياً كان يكمن وراء سيل الكبرياء المتدفق هذا ، يتلخص في أن وصفي كان يعلم أنه رجل موهوب فنياً بامتياز وصاحب موقف مبدئي من كل شيء في الحياة والوجود ، جوهريٍّ حقيقي بنّاء ، لا يصانع (1) فيه ولا يمالئ ولا يجامل ولا يداهن في زمن عربي صعب خسر الأبطال والقادة والأفراد الثقات من العباد فيه مواقفهم المضيئة وانزاحوا عنها أو تخلوا تحت ألف إغراء أو تهديد كما خسرت بعض الأحزاب والطبقات بعض مبادئها آنذاك . ومن هنا ، من هذه النقطة ، في يقيني وقد يكون أيضاً من أمور خفية غامضة في تكوينه البيولوجي وأعماقه النفسانية كتعويضٍ عن نقص أو تبديدٍ لعقدة ، جاءت كبرياؤه… يكفيه الموقف ، يكفيه أن يربح نفسه وإن خسر العالم ، كل العالم ، في وقت كان فيه حتى الكبار ، يخسرون أنفسهم ، ليربحوا العالمَ ، شيئاً من العالم :‏

لو أتيحتْ لي القصورُ لحطَّمتُ قصوراً تحدُّ من آفاقي‏
أنا كالظل لا يعضّ به القيد وكالشمس دونها كل راقِ‏
أنا كالماء ، لا يقرّ ، فإنْ قرَّ ، فقد مات حسرةً لانطلاقِ‏
أنا دنيا ، بل دنيوات عراض ، يتكشفن عن طباق طباقِ‏

ولكننا نرى أن الشاعر مستعدٌّ أن يطأطئ من كبريائه ، وينـزل عن أعلى عليائه إذا دلّه الناس على إنسان حر ، مطلق ، قديماً أو حديثاً ، في عالم تعوّد سُكّانه العبودية والذل والانحناء ، واستمرؤوا الخنوع لسلطان الحكام العتاة أو قوانينهم الجائرة أو مواضعات المجتمع العتيقة ، وأوهامه الطاغية ، دون أن تند من بعضهم صرخة مقاومة :‏

أيها الناسُ قد سألتُ وأطلقتُ سؤالي حيران ، كاليأس مُرّا‏
هل سَمِعتم أو هل رأيتم قديماً‏
أو حديثاً في عالم الناس ، حُرّا‏
إنْ رأيتم إذن خذونيَ..‏
دلّوني عليه ، نذرتُ للحرّ ، نذرا‏
أتدلَّى من كبريائي وأجثو‏
ألثمُ الأرضَ مؤمناً حيث ، مَرّا‏

وتتطامن هذه الكبرياء السامقة مع النجم ، مَرّة ثانيةً ، العاقلة مع العقل ، المشرقة المبدأ كالصبح ، في سعي الشاعر الشريف مع مَنْ شابهه من فئات الكادحين وراء الرغيف وبحثه عن اللقمة… عندئذ نراه يخفف كثيراً من غلوائها ، فهو واحدٌ من الطبقات المسحوقة الساعية خلف الرزق ، تلك التي لا تجد ما تأكل إذا لم تعمل لمرض أو ضرورة ، يقول من قصيدته ( دنيا الرغيف ) المنظومة عام ( 1940 ) :‏

كبرياء كالصبح ، عاقلة كالعقل ، جُنّت وأظلمت كالظلامِ‏
كبرياء كانت مع النجم فانهارت وذلت وطامنت للجام‏

وتتهاوى هذه الكبرياء المعششة في أعماق الشاعر ، أو ما أسماه هو “ الإباء الصم “ مرة ثالثة آن يخيّم اليأس القاتم من الحياة والوجود وظلامهما على نفسه… وهو يُعلل لنا هذا التهاوى عن ذُراه الشامخة . فعندما كان يعيش في عزلة عن الناس ، بعيداً عن عالمهم ، متكئاً على شرنقة ذاته المغلقة ، مستغرقاً في أحلام دنيواته الخاصة ، تألّهت نفسه وازداد تعاليه وتعاظمه وغروره ، أمّا عندما انخرط في زحمة العيش بينهم وخالط حرارة كفاحهم الجسدي والروحي وخبر مدى شقائهم الإنساني والاجتماعي في سبيل اللقمة صحا من سكرة الكبرياء الفارغة وحمىّ بروز “ الأنا “ العمياء واندفاعها وعاد واحداً ، منهم :‏

الآن أصبحتُ إنساناً من الناسِ‏
وانحلَّ ذاك الإباء الصم في الياس‏
وطأطأت كبريائي وانجلى ثملي‏
وماتت الكأسُ ، ماالدنيا بلا كاسِ‏
تألّهت أمسُّ نفسي غيرَ صاحية‏
واليوم حين صحت عادت إلى الناسِ‏
لو تُعلن النفس إفلاساً وقد ذهبتْ‏
في زحمة العيش ، قد أعلنتُ إفلاسي‏

اعتراف كبير من شاعر متكبر : تألهت نفسه بالتكبر وهي غير صاحية ، أي بعيدة عن عالم الناس ، تعيش في برجها العاجي ، منعزلة عن هموم الخلق وعندما صحت هذه النفس المغرورة من خمرة أوهامها ونشوة أحلامها عادت إلى الآخرين من المعذّبين ، وأصبحت نفساً طبيعية كنفوسهم رضية كرضاهم المقهور بتعاسة واقعهم ... حتى إيقاع الأبيات أخذ أسلوب الانبساط ( هي من البحر البسيط ) والاسترسال والاستغفار ضمن وحدات موسيقية هادئة مستسلمة ، كأنما هي اعتذار من هؤلاء الطيّبين القَنَعَة بأوضاعهم المزرية على غصة وانكفاء أو عودة عن ضلالة نفسٍ ترفّعت حتى على أقرانها من صغار الكسبة الشرفاء .‏
وتُمَسِّحُ هذه الكبرياء للمرة الرابعة أمام جمال المرأة جسداً يضجُّ بالشهوة الجنسيّة العارمة المثيرة ونفساً تشتاق الحب وتهفو لأطايبه ، فنرى الشاعر ينسى سموق هامته وشموخ ترفعه ، ويروح يستجدي العطاء اللذيذ من فواكه الجسم الأنثوي المغرية ويتوسل ذلك التوسل العاطفيّ المندفع ، كمحروم برّحت به الرغبة الجامحة واستبد به هجير الشوق ويصلّي صلاة المدنف العاشق في هيكل الحرمان ، للفتن الخبيئة والواثبة في جسم معشوقته ، ولقدسية الهوى ونبله ، مخاطباً إياها بصيغة المذكر كعادة بعض الشعراء العرب القدماء والمحدثين :‏

شفةٌ تغري فلا حولَ ولا …‏
غويتْ نفسي وذّلت كبريائي‏
اسقني يا حلو قد أيقظت بي‏
عطشاً كالنار يسري في دمائي‏
كنتُ ميتاً لا أرى الدنيا فما‏
لحتَ حتى قلتُ : يا ميتُ فلبَّى‏
كفرتْ بالحب نفسي زمناً‏
فانتقمْ يا حبُّ قد طأطأتُ حُبّا‏

ثم يوضح لنا الشاعر مفهومه الفكري للكبرياء أو فلسفته بشأنها فهو متكبرّ على “ الكبار “ أناساً وشعراء ، إذا مرَّ بهم يكبرهم ويتعالى عليهم ، أمّا إذا مرَّ ببقية الناس العاديين البسطاء فهو إنسان ، جدّ عادي ، مثلهم ، به ما بهم من البؤس وآثاره وأوضاره ، ومكانه منهم حيثما تولوا سبيلاً :‏

إنْ جزتُ بالقوم الكبار كبرتُهم‏
ولدى سواد الناس شخصٌ عادي(2)‏
ما جزتُ بالشعراء إلاّ خلتني :‏
في الجوّ والشعراء في الأصفادِ(3)‏
يتكاكؤون على القصائد ما بِهَا‏
إلاّ رضى الألقاب والنقاد‏

ولا شك أنّ الدكتورة نجاح العطار تنصف كبرياء وصفي بحكم عادل فتقول : “ اتهموه بالكبرياء والصلف وفرط الحساسية ، ولقد كان في الحق متكبراً صلفاً كما يبدو من شعره وأخباره مرهفاً إلى حدَّ المرض ولكنه إلى ذلك ، كان محباً إلى حدّ التفاني ، مرتبطاً بالشعب وبقضاياه وأرضه ارتباطاً ذاتياً أصيلاً ونادراً (4) .‏

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البحث